النائب محمد يتيم
موقع نائب دائرة بني ملال بمجلس النواب المغربي، من أجل التواصل مع المواطنين، والدفاع عن قضاياهم، يسرني تلقي اقتراحاتكم وآرائكم عبر البريد الإلكتروني: belmehdimoh@yahoo.fr
الخشونة بين الرياضة والسياسة

يتحفظ كثيرون من إطلاق مصطلح " اللعبة " على السياسة وعلى الديمقراطية لأن السياسة والديمقراطية ليستا ـ حسب هؤلاء ـ لهوا ولعبا وإنما هما جد ومسؤولية كبيرة لا يجوز أن ننعتهما بهذا الوصف الذي ينزل بهما عن وظيفتهما السامية من حيث أن الأولى تدبير للشأن العام وسير في خدمة المصلحة العامة ومن حيث أن الثانية تداول على ذلك التدبير بطرق حضارية هي أرقى ما أنتجت البشرية في تدبير الخلاف .

 من جهة ثانية فلا ينبغي التقليل من قيمة اللعب الذي ما هو سوى تعبير عن نشاط عضلي وفسيولوجي يستجيب لحاجات نمائية لدى الأطفال قبل بلوغ سن البلوغ والنضج ثم الرشد حيث يصبح الفرد الإنساني أكثر ميلا للأنشطة العقلية منه إلى الأنشطة العضلية . ومعنى ذلك أنه لولا اللعب لما كان الجد ، ولولا المرور بمرحلة اللعب وعيشها بكل أبعادها لما كان هناك رشد وأشد .

يمكن أن نرد ذلك التحفظ أيضا من خلال حجج أخرى  : الأولى أنه يجوز أن ننعث السياسة والديمقراطية باللعبة  من زاوية أنهما قائمتان على المنافسة وفق قواعد متوافق عليها ينبغي أن يخضع لها الجميع ، والخضوع للقاعدة ـ على مستوى نمو الكائن الإنساني ـ مؤشر على تحول كبير في النمو العقلي والنفسي والاجتماعي للطفل ، كما يعبر انتقال من نزعة التمركز الذاتي إلى التمركز حول الجماعة وبالتالي فهو مؤشر على نجاح في عملية التنشئة الاجتماعية وفي القابلية للتعامل مع المعايير الاجتماعية والأخلاقية . ولهذا يعتبر كثير من علماء النفس أن دخول الطفل إلى مرحلة اللعب الجماعي هو علامة على بدء تكون الضمير الأخلاقي والرقابة الأخلاقية والاجتماعية .

الثانية : أن اللعب لا ينبغي أن ينظر إليه حتى عند الراشدين نظرة سلبية على اعتبار أنه بالإضافة إلى دوره في الترويح عن النفس وترويض العضلات ، فإنه يسهم في تربية الروح الجماعية والتربية على احترام القانون وعلى قبول الهزيمة والتواضع عند الانتصار واحترام الخصم ، فضلا عن أن الرياضة وسيلة من وسائل التسامي على  النزعات العدوانية أو القتالية من خلال تصريفها تصريفا إنسانيا ، ولهذا فالرياضة في الأصل ما هي إلا تصعيد لنزعات الهدم والصراع الفطرية في الكيان الإنساني ، ومن ثم فإن انتشار الرياضة والعناية بها واحترام روحيتها أو ما يسمى بالفير بلاي ، هو مدخل لإشاعة قيم التعارف والسلم والتعاون بين الشعوب . كما أن اللعب الذي يعتمد النشاط العضلي ليس هو الصورة الوحيدة  فهناك الألعاب العقلية والألعاب التخيلية مثل الألعاب الإلكترونية والألعاب الجماعية التقليدية مثل ( السبع بولبطاين ، ولعبة هيه ، وألعاب الفروسية وهلم جرا ) ، ثم هناك الألعاب السياسية التي تتراوح بين الجد والهزل ، مثل الانتخابات التى إما أنها تعبر عن تطور في النضج السياسي للمجتمع نحو الرشد والأشد وإما أنها تعبر عن أزمة في النمو وتقهقر نحو مراحل سابقة من الطفولة الاجتماعية .

اللعبة الديمقراطية واللعبة السياسية حين تحترم فيها القواعد ، يمكن النظر إليهما من هذه الزاوية : إنهما يعبران عن مرحلة متقدمة من النضج الإنساني وتجاوز النزعات العدوانية والإقصائية التي يجدان تعبيرهما الأقصى في الاستبداد والعنف السياسي .

اللعبة الديمقراطية إيذان بتجاوز المجتمعات البشرية للأنانيات التي تشبه أنانية بعض الأطفال الأصغر سنا الذين لم يصلوا بعد إلى القبول بالخضوع للقاعدة ، هي تجاوز تلك المرحلة التي كان الإنسان فيها ذئبا لأخيه الإنسان ، إلى مرحلة العقد الاجتماعي القائم على التسليم للمنتصر سياسيا والاعتراف بالهزيمة لكن شريطة أن تكون اللعبة السياسية أو المباراة الانتخابية محكومة بقواعد متوافق عليها وأن يمتثل لها الجميع ، ويقبل بنتائجها الجميع ، وأن يكون الحكم الذي يدير أشواطها محايدا ، لا منحازا إلى فريق على حساب فريق آخر .

للنزالات والمباريات في جميع الأنواع الرياضية قواعد وقوانين تختلف من رياضة لأخرى . لكنها تكاد  تتفق على تحريم الخشونة كالتدخل العنيف من الخلف (    tacle par derrière   ، واللعب الخطير مثلا في كرة القدم مثل رفع الرجل في وجه لاعب يهم أن يضرب الكرة برجله ) . وهناك قواعد في رياضات جماعية  تحرم الخشونة بما في ذلك بعض الرياضات العنيفة مثل الملاكمة حيث يحرم الضرب في المناطق الحساسة مثل الضرب تحت الحزام .

ومن القواعد التي يقع التشديد فيها منع تعاطي المنشطات بالشكل الذي يؤدي إلى تهييج الجسم ووظائفه الحيوية بالشكل الذي يفسد قواعد المنافسة ويفسد اللعبة ويقضي فيها على الجهد والإبداع والجد والاجتهاد .

وللعبة الديمقراطية أيضا قواعد وقوانين للمحافظة على مصداقية السياسة وقواعد المنافسة السياسية  ليست بعيدة من حيث الجوهر عن قواعد الرياضة. فاستخدام العنف السياسي المادي لترهيب المستشارين الجماعيين وحرمانهم من حضور أماكن الاقتراع خشونة واضحة . ودوسهم بالسيارات والتدخلات الأمنية العنيفة تنفيذا لتعليمات  جائرة قررت أن يحرم حزب سياسي من تسيير مدينة مثل وجدة خشونة سياسية سافرة ورجوع بالسياسة إلى ما قبل مرحلة العقد الاجتماعي أي إلى مرحلة شريعة الغاب في السياسة . واستخدام النفوذ والجاه خشونة سياسية . واستخدام التخويف  والترهيب خشونة سياسية ، وشيطنة بعض الأحزاب المنافسة والترويج بأنها خطر على الحريات وعلى الاستثمار والاستقرار، وأن السلطات العليا غير راضية عنها ، كل ذلك من الخشونة السياسية والضرب تحت الحزام.

أن يستثمر حزب سياسي ناشئ رصيد أحد قياداته باعتباره كان قريبا من أعلى سلطة في البلاد خشونة ، وأن يستثمر شبكة علاقاته ونفوذه باعتباره كان وزيرا في الداخلية ، ومحيطا بالمعطيات التي لا تتوفر إلا لأجهزته المختلفة خشونة وأمر مناف لقواعد المنافسة السياسية ,

أن يحطم حزب وليد أرقاما قياسية في أول انتخابات جماعية ويحصد كل المقاعد ويكون فريقا برلمانيا حتى قبل أن يعلن عن تشكيل حزبه ، ثم يكون أول حزب من حيث عدد الترشيحات وأول حزب  في الانتخابات الجماعية من حيث عدد المرشحين ، وهي كلها أمور خارج المألوف في الساحة السياسية المغربية تطرح ـ بالإضافة إلى إحصاء كل أنواع الخشونة التي استخدمها الحزب المذكور سواء من خلال استغلال النفوذ السياسي والنفوذ الإعلامي والنفوذ في مختلف دوائر ومستويات السلطة ـ ضرورة البحث عن فرضية استخدام المنشطات . لكن ما بما أن المغرب لا يزال لا يتوفر على مختبرات من هذا النوع ، وما دام الحكم متحيزا وجزءا غير محايد في اللعبة أو على الأقل يمارس حيادا سلبيا ويقدم شهادة زور بأن الانتخابات المغربية كانت شفافة ونزيهة ، فإن استخدام المنشطات والتفنن في استخدام أنواع راقية وحداثية جدا منها فضلا عن الخشونة وعدم احترام قواعد اللعب سيظل عملة جارية . وكل انتخابات وأنتم والخشونة والمنشطات بألف خير .

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية