النائب محمد يتيم

موقع نائب دائرة بني ملال بمجلس النواب المغربي، من أجل التواصل مع المواطنين، والدفاع عن قضاياهم، يسرني تلقي اقتراحاتكم وآرائكم عبر البريد الإلكتروني: belmehdimoh@yahoo.fr

ثقافة الاستبداد

ثقافة الاستبداد

يرتبط الاستبداد في الاستخدام اليومي بالمجال السياسي أي بالنزعة الهيمنية للحاكم المطلق أو الحاكم المتأله الذي يقول كما قال فرعون : " ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد "

والواقع أن كثيرا منا وهو يستشهد بهذه الآية على مخاطر الاستبداد السياسي ، ويجعل بين فرعون وبين كل مستبد صلة نسب  لا ينتبه إلى أن القرآن قد تكلم عن بنية الاستبداد وعلاقات الاستبداد ، أي عن مظاهر متعددة للاستبداد أنتجت أو كانت نتيجة للظاهرة الفرعونية  ومن ثمة عن الاستبداد كظاهرة مركبة .

  فالقرآن الكريم قد أثار الانتباه إلى القابلية للاستبداد ومن ثم إلى ثقافة الاستبداد كظاهرة كانت سائدة في المجتمع المصري آنذاك حتى إنه لم يسلم منها إلا القليل ومن هذا القليل ذاك الرجل المؤمن الذي  كان يكتم إيمانه  وجاء يستنكر المؤامرة ضد موسى، وفي ذلك دليل على جو الاختناق السياسي وسيادة نزعة الاستئصال ،ومنه أيضا امرأة فرعون التي ضربت مثلا للذين آمنوا، ومنهم أيضا السحرة الذين كانوا متواطئين إلى آخر لحظة والذين كان يلزم  معجزة العصا تتلقف ما يأفكون كي يفيقوا من سباتهم وتواطؤهم مع المستبد  وينقلبوا بعد كفر مؤمنين مصدقين ، متصدين للاستبداد ومستعدين كي يؤذوا الثمن المترتب على ذلك .

نتخيل تلك الجحافل من جند فرعون وشرطته وعسسه وهي تقتحم البيوت بأمر من فرعون تقتل الأبناء وتستحيي النساء ، حتى إنه لم ينج موسى إلا الإلقاء به في اليم بوحي من الله ، وما ألقاه الله في روع امرأة فرعون من عطف ومحبة للوليد المحمول  في اليم حين قالت : " قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه والده "  وما ألقاه في روع أمه من اطمئنان " وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين " إلى غير ذلك من تفاصيل العناية الإلهية .

  نتصور تلك الجحافل المتواطئة وهي تخوض حربا استئصالية على مولود لا لسبب إلا لأنه من المحتمل أن يكون  هو الخطر المهدد لملك فرعون وخطرا على الاستبداد الفرعوني ، احتمال واحد على مئة ألف أو أكثر أو أقل يبرر استئصال جيل كامل من الذكور وتهديد توازن مجتمع بكامله مما يشير إلى أن الاستبداد أصبح بينة مركبة ، بل أنتج ثقافة بأكملها أصبحت تكيف المواقف والسلوكات اليومية للمواطن المغلوب على أمره .

ونقف اليوم عند جحافل العساكر على طول العالم العربي وهي تتدخل لكسر عظم المتظاهرين المسالمين المطالبين بحقوقهم المادية أو المعنوية بلا شفقة ولا رحمة ، ونشاهد بعض اللقطات من صور التعذيب التي التقطتها عدسات بعض منسوبي الأجهزة الأمنية في بعض البلاد العربية في لحظات من صحوة الضمير ، ونقف اليوم عند إحدى آليات الفكر الاستئصالي القائمة على التعميم والصورة النمطية المتعمدة ، وكيف تحول عشرات من مناضلي الأمس إلى أوتاد في الأنظمة البوليسية والاستبدادية على طول العالم العربي ،كي ندرك أن الاستبداد قد تحول إلى ثقافة وكي ندرك العلاقة الجدلية بين الاستبداد السياسي والاستبداد كثقافة أي كسلوك اجتماعي يعبر عن نفسه عبر مستويات وتجليات مختلفة  .

ليس غريبا أننا ونحن نتلو في القرآن وصفا عن الاستبداد الفرعوني نقرأ عن هامان الذي يرمز إلى النفاق السياسي ، وكثير من المصائب في عالم السياسة اليوم مصدرها بطانات سوء لا تصدق في النصيحة للحاكم وتنقل إليه الصورة بشكل مزيف أو بالشكل الذي يخدم مصالحها وبالتالي فهي في كثير من الأحيان تأكل الثوم بفم الحاكم ، وتصبح ناطقة باسمه وتنقل عنه ما لم يقل بل تقوله ما تشتهيه وتريده .

وتكشف عدة نماذج كيف أنه في كثير من الأحيان يضرب الحصار عن الحاكم حتى إنه لا يصبح قادرا على معرفة واقع بلاده وشعبه .

ومما حدثنا به بعض الإخوة السوادنيين أنه لما دخلوا في تحالف مع النميري وانضموا إلى الحزب الاشتراكي الحاكم ، كانت تبدو من النميري تصرفات يبدو فيها التوجس والشك والحذر . وكان الإخوة السودانيون يبذلون جهودهم  لطمأنته وتقديم الدليل تلو الدليل على صدق نيتهم لكنه كا يجيب الترابي قائلا بلغة سودانية : " ولكن التكارير التكارير" أي تقارير الأجهزة الأمنية وكانت مخترقة بأعداء التقارب بين النميري والإخوان إلى انتهى الأمر بالنميري إلى الانقلاب عليهم والغدر بالميثاق الذي كان بينهم .

ورجوعا إلى نموذج الاستبداد الفرعوني نقول إن القرآن تحدث أيضا عن تواطؤ أصحاب المصالح والامتيازات المالية كما يظهر ذلك في حديث القرآن الكريم عن البغي القاروني حيث قال : " إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء العصبة أولي القوة ..." الآية

والأهم من ذلك أن القرآن الكريم قد ركز على القابلية للاستبداد وأنه ما كان للنموذج الفرعوني أن يستقر لولا إذعان قوم فرعون للاستبداد وخنوعهم له أي تحولهم إلى جزء لا يتجزأ من منظومة الفساد واستفادتهم منه بشكل أو بآخر كما قال تعالى : " فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين " .

الاستبداد ظاهرة مركبة وليس ظاهرة سياسية فحسب ، ولن ندخل من جديد في جدل حول أيهما يؤسس للآخر هل هو الاستبداد السياسي ، أم أن الاستبداد الثقافي والاجتماعي والقابلية للاستبداد هي التي تنشئ الأرضية للاستبداد السياسي وتجعله ممكنا ؟

لكننا نريد أن نؤكد على الاستبداد كظاهرة ثقافية آي كظاهرة تخترق السلوك الاجتماعي والاستجابات الجماعية ، وفي هذا الصدد نؤكد أنه بالإضافة إلى الاستبداد النازل أي من الأعلى إلى الأسفل أي الاستبداد السياسي هناك الاستبداد الصاعد ( الثورات التي عرفها صدر الإسلام كانت استبدادا من القاعدة إلى القمة وليس العكس ) ، وعلاقات الاستبداد النازل يتم إعادة إنتاجها تنازليا عبر مختلف مستويات السلطة إلى أن تصل إلى الأسرة . وهناك الاستبداد الأفقي أي الاستبداد بين الأقران وبين المستبد بهم والذين يعانون من الاستبداد السياسي ( أنظر مثلا علاقات الاستبداد بين المتسولين بأبواب المساجد ) . وفي المقابل فإن التربية الاستبدادية أي العلاقات الاستبدادية داخل الأسرة تعيذ إنتاج القابلية للاستبداد وتستديم الاستبداد السياسي ، ومن هما أهمية المدخل التربوي في الإصلاح السياسي والاجتماعي .

والخلاصة أنه إذا كانت مقاومة الاستبداد تتطلب نضالا سياسيا ، ومقامة مراكز مقامة التغيير وأركان الفساد المتواطئة مع الاستبداد أي الأوضاع غير الديمقراطية فإنها تتطلب أيضا نضالا على مستوى الجبهة الثقافية وعلى مستوى الجبهة التربوية  أي إعادة بناء قيم الحرية والاستقلالية والعزة والكرامة الإنسانية ومقامة قيم الخنوع والتبعية والطاعة غير المبصرة والنفاق الاجتماعي والانتهازية والوصولية ، وهي جبهات لا تقل خطورة عن جبهات النضال السياسي ، وهي جبهات قد تكون بعض جوانبها  داخل المنظمات   



أضف تعليقا